كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني بمناسبة تسلمه جائزة مؤسسة جون تمبلتون للعام 2018

كلمة جلالة الملك عبدالله الثاني بمناسبة تسلمه جائزة مؤسسة جون تمبلتون للعام 2018

الولايات المتحدة الأميركيةواشنطن العاصمة
13 تشرين الثاني/نوفمبر 2018
(مترجم عن الإنجليزية)

خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني خلال حفل جائزة تمبلتون في واشنطن

بسم الله الرحمن الرحيم
 
أشكركم جميعاً.
 
أود أن أتحدث أولاً عمن هم دائماً في ذهني ووجداني، إنها الأسر الأردنية التي فُجعت بفقد أبنائها وبناتها في الفيضانات التي شهدها بلدي الأردن.
 
تعجز الكلمات عن وصف ألمي وألم كل الأردنيين وحزننا بما فقدناه بسبب حادثتين طبيعيتين متلاحقتين لم يفصل بينهما سوى أسبوعين. كما أود أن أحيّي، أمام العالم، جميع الأردنيين الذين هبوا للمساعدة وتلبية النداء، من جيران وكوادر طبية وفرق إنقاذ.
 
حين نواجه أحداثا مأساوية، سواء أكانت الفيضانات في الأردن أم حرائق الغابات في كاليفورنيا التي أدت لخسائر في الأرواح، نجد أنفسنا كبشر مرتبطين حقاً مع بعضنا البعض في الأخوة. وأطلب منكم أن تقفوا معي دقيقة صمت نستذكر فيها هؤلاء الضحايا وأسرهم.
 
عميد [الكاتدرائية] هوليريث، أشكرك على ترحيبك الحار في كاتدرائية واشنطن الوطنية.
 
الشيخ حمزة [يوسف]، والبروفسور فولف، وصديقي العزيز الأمين العام [للأمم المتحدة] غوتيريس، أشكركم على كلماتكم الطيبة.
 
كما أتقدم بجزيل الشكر لهيذر تمبلتون ديل ولأسرة ومؤسسة تمبلتون. وأدعو الله أن يجزي السير جون تمبلتون كل الخير على الإرث العظيم الذي تركه في سبيل إثراء الجانب الروحي في حياتنا كبشر، ونشر القيم الإيجابية في العالم أجمع. كم أتمنى لو أتيح لي أن ألتقي الراحل السير جون شخصياً، ولكن لقاء أفراد أسرته، الذين يسيرون على خطاه، هو بمثابة لقائه، فهم يجسدون القيم الفضلى التي كان يعمل لأجلها.
 
واليوم، يسعدني أن أتلقى هذا التقدير الكبير منكم جميعاً. واسمحوا لي أن أؤكد لكم أن جميع الجوانب التي تحتفون بها اليوم هي تعبير عمّا يستمر الأردنيون بإنجازه وعن نهج الحياة الذي اختاروه، وهو مبني على الإحسان المتبادل، والوئام، والأخوة. لذا، فإنني أقبل هذه الجائزة العالية الشأن باسم الأردنيين جميعاً.
 
أصدقائي،
لطالما حرص الأردن على الاحترام المتبادل بين جميع الأديان. فأولو العزم من الرسل، كما وصفوا في القرآن الكريم، والذين حملوا رسالة التوحيد والدعوة إلى اليهودية والمسيحية والإسلام، قد باركوا، عليهم السلام أجمعين، أرض الأردن بمسيرهم فيها.
 
فقبر سيدنا نوح (عليه السلام) في الكرك. وسيدنا إبراهيم (عليه السلام) جاء من العراق عبر الأردن في طريقه إلى الخليل. وسيدنا موسى (عليه السلام) توفاه الله في جبل نيبو في الأردن. وعمّد سيدنا المسيح عيسى (عليه السلام) في الأردن على الضفة الشرقية لنهر الأردن على يد يوحنا المعمدان. والأردن يحرص أشد الحرص على المحافظة على هذا الموقع وغيره من المواقع، مرحّباً بزوارنا من حجاج مسيحيين وغيرهم من جميع أنحاء العالم.
 
رسول الله سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم، قدم إلى الأردن مرتين. مرة في صغره برفقة عمه، وعندها رآه راهب بيزنطي وشهد أنه سيكون نبياً. وبعدها قدم إلى الأردن عندما كان تاجراً شاباً. لكن اللقاء الأول، الذي جرى تحت شجرة ما زالت باسقة في الصحراء الأردنية حتى يومنا هذا، هو لحظة التأسيس للعيش المشترك والوئام بين المسلمين والمسيحيين في الأردن.
 
أصدقائي،
إن أولي العزم من الرسل كانوا في رحلة كفاح داخلية وذاتية مضوا فيها طاعة لأوامر الله. وأولى خطوات هذه الرحلة تبدأ بجهاد النفس داخل كل شخص فينا، سعياً لنكون على أفضل صورة.
 
وهذا الجهاد الأكبر الذي بذله الرسل أولي العزم كان نبراسا أنار الطريق لنا جميعاً. لذا، وكمسلم أقف معكم اليوم في هذه الكاتدرائية، أود أن أتحدث إليكم عن الجهاد.
 
إنني واثق أنكم لم تعتادوا سماع حديث كهذا في مثل هذا المكان، ولكن فهم حقيقة الجهاد أمر في غاية الأهمية.
 
إن الجهاد الأكبر لا يمت بصلة إلى الكذب المليء بالكراهية، والذي يفتريه الخوارج أمثال داعش ومن هم على شاكلتهم، أو الكذب الذي يدعيه أولئك الذين يخافون الإسلام ويشوهون ديننا الحنيف. الجهاد الأكبر هو الصراع الداخلي للتغلب على  حب الذات والغرور، وهو الصراع الذي نتشارك فيه جميعاً سعياً لعالم ينعم بالسلام والوئام والمحبة.
 
ففي الإسلام، يعتبر حب الله وحب الجار وصيتين جوهريتين. وكما أشار الشيخ حمزة في كلمته، فإن رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، قال: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
 
هذا هو الإسلام الذي تعلمته ونشأت عليه في الأردن:
إسلام الإحسان والرحمة، لا انعدام العقل والقسوة.
الإسلام الحنيف الأصيل، لا التطرف المُحدث. إسلام التسامح والسلام، لا العدوانية  وتصيد  الأخطاء.
الإسلام المبني على الأصول الراسخة، لا المغالاة في التفاصيل حد التطرف.
إسلام النظرة الشمولية التي جاءت في القرآن الكريم والسنة النبوية، لا الانتقائية عبر اجتزاء تفسير الآيات القرآنية والأحاديث لخدمة أجندات سياسية.
 
هذا هو الإسلام الحنيف الذي يؤمن به أغلبية المسلمين حول العالم، وهم 1.8 مليار من الجيران الطيبين والمواطنين الصالحين الذين يساهمون في بناء المستقبل في الأردن والشرق الأوسط وفي الولايات المتحدة وآسيا وأوروبا، وغيرها. ونحن نسعى ونعمل في كل قارة للدفاع عن الإسلام، ضد أقلية هامشية لكنها خبيثة وحاقدة، تستغل ديننا لأغراضها الخاصة. وغايتنا في ذلك ليست نيل رضا أصدقائنا أو رضا العالم، بل غايتنا هي رضا الله. وسنستمر في هذا الجهد ما حيينا، وما دام الإيمان عامر في قلوبنا، إن شاء الله.
 
ونحن لسنا وحدنا في مسعانا هذا، فوصيتا حب الله وحب الجار نجدهما مراراً وتكراراً في اليهودية والمسيحية والإسلام والديانات الأخرى حول العالم. إن هاتين الوصيتين تبعثان رسالة عميقة إلى كل واحد فينا، تدعوه إلى الخروج من دائرة الأنا وتجاوز مصالحنا الخاصة الضيقة. وهذه البصيرة المنفتحة هي مصدر الوئام بين الجميع والأمل باستمراره.
 
وعندما نتحدث عن الأمل والوئام، فما من مسألة أكثر أهمية من القدس الشريف، وهي المدينة المقدسة لدى أكثر من نصف سكان العالم، من مسلمين ومسيحيين ويهود. والقدس للمسلمين هي أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين مع مكة والمدينة المنورة. ويربطني ويربط كل الأردنيين واجب جليل تجاه القدس الشريف ضمن الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية فيها.
 
ويتوجب علينا جميعا المحافظة على القدس الشريف، بتاريخها العريق المبني على تعدد الأديان، كمدينة مقدسة تجمعنا وكرمز للسلام. ولجائزة تمبلتون جزيل الشكر على المساهمة في دعم هذه الجهود. إذ سيتم تخصيص جزء من قيمة الجائزة لدعم مشاريع ترميم المقدسات في القدس ومن بينها كنيسة القيامة. وسيتم التبرع بباقي قيمة الجائزة لدعم الجهود الإغاثية والإنسانية ومبادرات إرساء الوئام بين أتباع المذاهب والأديان في الأردن وحول العالم.
 
أصدقائي،
قال الله تعالى في القرآن الكريم: "إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ." (سورة الأحقاف،  الآية 13)
 
وقال رسول الله سيدنا محمد، صلى الله عليه وسلم: "من كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ." (صحيح مسلم)
 
لقد آن الأوان لنعمل كل ما في وسعنا لتعظيم الخير في عالمنا ولتقريب الناس على أسس الود والتفاهم. وبداية هذه الطريق تكون بجهاد النفس داخل كل شخص منا، لنكون بأفضل صورة ممكنة.
 
أستذكر معكم الحكمة التي تقول إن الشر يستبد عندما يعجز الصالحون عن العمل. ولكننا إن عملنا معاً، بمشيئة الله، سنتمكن من إنجاز أمر جوهري، وهو الوصول إلى مستقبل يسوده الوئام، وهو ما تنشده وتحتاجه البشرية. فلنمض إذا في هذا الكفاح، في هذا الجهاد الحقيقي.
 
شكراً لكم.