رسالة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى مدير المخابرات العامة أحمد حسني، مشددا على أهمية الاستمرار والإسراع بوتيرة التجديد والتحديث والتطوير

من الملك عبد الله الثاني ملك الأردن
17 شباط/فبراير 2021

عطوفة الأخ اللواء أحمد حسني
مدير المخابرات العامة حفظه الله
 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
 
فيسرني في البداية، أن أتوجه بتحية الاعتزاز، إلى رفاق السلاح من منتسبي دائرة المخابرات العامة – فرسان الحق وفارساته عاملين ومتقاعدين، الذين نذروا حياتهم، لخدمة وطننا الغالي بكل إخلاص وكفاءة وتميز وإيثار وتضحية والتزام، إلى جانب إخوانهم وأخواتهم من ضباط ومرتبات ومتقاعدي جيشنا العربي الباسل – القوات المسلحة الأردنية، ونشامى الأمن العام. وأن أؤكد أن اعتزازي برفاق السلاح هؤلاء، لا يدانيه اعتزاز، وأن ثقتي، والأردنيين جميعاً بهم، هي ثقة راسخة وقد استحقوها عن جدارة، نظير ما قدموا وما زالوا يقدمون من عمل دؤوب، في الذود عن أمن أردننا الغالي وشعبنا الوفي، الذي يشاركني التقدير العالي والمحبة الصادقة للساهرين والساهرات على حماية أمن الوطن ومنجزاته وصون كرامة المواطن وحقوقه، في ظل سيادة القانون وتحقيق العدالة والمساواة للجميع.
 
عطوفة الأخ العزيز،
 
لقد تحقق قدر كبير من الإنجاز على مسار عملية التجديد والتحديث والتطوير المستمرة التي كلفتك بها، عندما عهدت إليك بإدارة المخابرات العامة، تجسيداً لحرصنا على أن يظل هذا الجهاز العريق، وصاحب الإنجازات التي نفاخر بها، عنوانا للمهنية والانضباط والكفاءة والشفافية والنزاهة بإذن الله.
 
وهذا يدعونا إلى الاستمرار في عملية التطوير والتحديث هذه، وأن تسير بوتيرة أسرع، لكي تظل المخابرات العامة الأردنية، في طليعة الأجهزة الاستخبارية قدرة وكفاءةً وتميزاً، كما كانت دائماً. وإنني على ثقة كاملة بأنك لن تألو جهداً في تحقيق هذا الهدف وغيره من الأهداف، التي كنت قد وجهتك لتحقيقها عندما توليت موقعك قبل نحو عامين، لا سيما وأن بلدنا الغالي يتقدم بخطى ثابتة وواثقة إلى مئويته الثانية، والتي تستدعي منا جميعاً العمل المخلص الجاد لتحقيق الرفاه والتنمية والحياة الأفضل لمواطنينا، وترسيخ قيم المواطنة المنتجة والاستحقاق على أساس الكفاءة والقدرة، وتعزيز مبدأ سيادة القانون على جميع الأفراد والمؤسسات، وفقاً للمرتكزات العظيمة التي نص عليها دستورنا، والتحديد الدقيق للاختصاصات التي وضعها للسلطات الدستورية، التشريعية والتنفيذية والقضائية.
 
لقد تعرض الأردن الغالي، خلال مسيرة الإنجاز الذي تحقق في المئوية الأولى للدولة إلى مخاطر جمة، ولم تكن بعض مؤسساتنا صاحبة الاختصاص الأصيل تمتلك الوسائل ولا الأدوات، ولا الإمكانيات في بعض الأحيان، التي تمكّنها من التعامل مع مثل تلك المخاطر والتحديات الاستثنائية التي عصفت بمنطقتنا بشكل خاص خلال المائة عام الماضية، والتي أصابت آثارها وطننا العزيز، مثل الحروب المتوالية والهجرات القسرية التي واكبتها باتجاه وطننا، الذي لم يوصد بابه يوما بوجه أي مكروب أو محتاج، بالإضافة إلى تحديات الإرهاب وغيره من الجرائم المنظمة والعابرة للحدود، التي تتلازم مع الحروب والغياب المزمن للاستقرار الإقليمي في إطاره العريض، وقد اجتهدت دائرة المخابرات العامة، مشكورة ومقدرة، في التصدي لملء الفراغ الخطير الناشئ عن عدم امتلاك بعض المؤسسات صاحبة الاختصاص الأصيل، للقدرة على النهوض بمسؤولياتها واختصاصاتها، وبخاصة في المجالات الاقتصادية والاستثمارية والرقابية، خلال تلك الحقبة، وجزى الله دائرة المخابرات العامة، ومنتسبيها من عاملين ومتقاعدين، عن بلدنا كل الخير، لتوليهم مهمة ومشقة سد الفجوات في هذا الصدد، رغم أنها خارج دائرة الاختصاص الموضوعي لها، والمتمثل في الإسهام المركزي في تعزيز الأمن الوطني، عبر العمل الاستخباري المحترف المستهدف لمصادر الخطر على بلدنا الحبيب خارجياً وداخلياً، والعمل الاستخباري الهادف أيضاً إلى مد الدولة بالمعلومات والتقييمات الاستخبارية الدقيقة الشاملة، التي تمكنها من تعزيز أمننا القومي في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
 
عطوفة الأخ،
 
أما وقد دخل الأردن الآن مئويته الثانية، بثقة كبيرة وآمال عريضة، وبعد أن أنجزنا الكثير من أسباب التمكين لمؤسساتنا صاحبة الاختصاص التشريعي الأصيل، في التعامل مع بعض القضايا التي أشرتُ إليها، وخاصةً القضايا المرتبطة بالتثبت من سلامة الاستثمار وسلاسته، وشرعية مصادر التمويل، وبعد أن استكملنا بناء مؤسسات ترسخ النزاهة وتحارب الفساد، وأنجزنا عملية تطوير لمؤسساتنا الرقابية المنصوص عليها في الدستور وغيره من التشريعات، مثل ديوان المحاسبة، فضلا عن تطوير منظومتنا القضائية، فإنه يتعين على هذه المؤسسات والجهات أن تتصدى فورا لاختصاصاتها الدستورية والتشريعية الأصيلة هذه، لتتحرر دائرة المخابرات العامة من العبء الكبير الذي نهضت به، مضطرة ومشكورة ومدفوعة بالحرص العميق على بلدنا الغالي، في هذه المجالات الخارجة عن اختصاصاتها، لسد الثغرات، ولكي تتفرغ للعمل الاستخباري المحترف بمفهومه العصري الشامل، وأن تركز كل طاقاتها فيه، وأن تكرس كل الإمكانيات اللازمة لها لتظل عنوانا شامخاً للكفاءة الاستخبارية في مجال مكافحة الإرهاب والتصدي للمخاطر الأمنية المستهدفة لبلدنا، ولتطوير أساليبها ووسائل عملها لتقدم للجهات صانعة القرار أفضل التقييمات الاستخبارية العصرية، في المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية، بعيداً عن الدور الرقابي، والتنظيمي أحيانا، الذي فرضته الظروف عليها في بعض المجالات الواقعة ضمن اختصاص جهات أخرى، لم تكن تمتلك وسائل وأدوات ممارسة هذه الاختصاصات التنظيمية أو الرقابية كما ذكرتُ سابقاً، وباتت اليوم تمتلكها ويتعين عليها أن تباشرها وتتولاها بالكامل ودون إبطاء.
 
عطوفة الأخ العزيز،
 
إنني لعلى ثقة بأنك لن تدخر جهداً في الاستمرار، وبوتيرة أسرع وخطى ثابتة، في إنجاز عملية تطوير وتحديث دائرة المخابرات العامة، لتظل مؤسسة يشار لها بالبنان كعنوان للكفاءة والاقتدار والتميز ومواكبة العصر ومتطلباته وتطور أنماط العمل الاستخباري، وضمن الإطار التطويري والتحديثي الشامل الذي أنجز، وما زال ينجز في قواتنا المسلحة الباسلة – الجيش العربي، والإصلاح الشامل الذي أنتج مديرية الأمن العام لتستوعب الأمن العام، والدرك والدفاع المدني في إطار مؤسسي واحد، وبأنك ستعمل على أن تركز جهودها في مجالات اختصاصها المهمة والحيوية لأمننا الوطني، وستلقى مني كل الدعم والمؤازرة.
 
وإنني إذ أحيي من خلالك جميع منتسبي دائرة المخابرات العامة، وأنتم محل ثقتي الكبيرة وموضع التقدير من قبل بنات وأبناء شعبنا الغالي، أنتم ورفاقنا في السلاح من منتسبي جيشنا العربي الباسل ومديرية الأمن العام، لأسأل المولى عز وجل أن يوفقكم وأن يسدد على طريق الخير خطاكم، في خدمة الأردن العزيز، حتى يظل، كما كان على الدوام، حمى منيعاً، شامخاً وآمناً، يليق بشعبنا الأبيّ الأصيل.
 
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عبدالله الثاني ابن الحسين