مقابلة جلالة الملك عبدالله الثاني مع وكالة الأنباء الأردنية (بترا)

أجرى المقابلة: 
رمضان الرواشدة
For: 
وكالة الأنباء الأردنية (بترا)
01 تموز/يوليو 2008

بترا: أمرتم جلالة الملك بأن نتناول كافة المواضيع بصراحة وشفافية خاصة حول القضايا التي تثير جدلا وتنتشر في أوساط النخب الأردنية، لذا أعتذر سلفا إذا ما كانت بعض الأسئلة خارج السياق وغير ملائمة، ولكنني أريد أن أنفذ تعليماتكم وأوامركم بأن أكون بمنتهى الصراحة.

جلالة الملك: هذا يلائمني تماما، وكما ذكرت أنا الذي طلبت منكم أن تكون هذه المقابلة بمنتهى الصراحة، وأريد أن أتناول بعض القضايا المثيرة للجدل لكي نتجاوزها ونمضي قدما لبناء مستقبل أردني زاهر وكما أقول دائما ليس لدينا ما نخفيه في الأردن.

بترا: إذا كنتم جلالتكم أمرتم أن أتناول في أسئلتي وبمنتهى الصراحة المواضيع المثيرة للجدل وهو أمر غير مألوف، إذا جاز لي السؤال لماذا هذا الطلب الآن؟

جلالة الملك: لأن بلدنا اليوم يواجه تحديات هائلة. وفي الوقت نفسه أمامنا فرص كبيرة لم تكن متاحة لنا من قبل، فرص يمكن أن تساعدنا في حل بعض المشاكل التي نعاني منها منذ فترة طويلة، وتساعد أيضا في التخلص من آثار وتداعيات هذه المشاكل نهائيا. ولكن من الأهمية بمكان أن نقوم على الأقل بجهد مخلص لفهم مستوى التحديات والفرص، دون اللجوء إلى السلبيات، والإشاعات، واغتيال الشخصية، والطروحات والأقوال العاطفية. إنني اشعر بصدمة وبخيبة أمل كبيرة بسبب المستوى المتدني للجدل الدائر في بعض الأوساط النخبوية والإعلامية. ولقد تعودت طوال حياتي على سماع الشائعات التي تطلق علي وعلى أسرتنا وعلى الأردن، ولكنني أشعر اليوم أن الشائعات التي تطلق أصبحت تؤثر سلبياً على مستقبل الأردن، وببساطة لا يمكنني أن التزم الصمت.

بترا: ما هي التحديات والفرص الماثلة كما ترونها جلالتكم ؟

جلالة الملك: هناك ثلاثة تحديات رئيسية: الأسعار، الأسعار، الأسعار. وبالطبع لدينا تحديات رئيسية أخرى مثل البطالة، والفقر، والمديونية، ولكن من الإنصاف أن نقول أن الأسعار المرتفعة هي التي تشغل بال كل واحد منا. ففي كل يوم، تظل الأسعار قضية تستحوذ على تفكيري، وتقلقني كثيراً لما تمثله من تحد هائل لغالبية الأردنيين، وتثقل كاهلهم. وحيثما ذهبت، أتشاور مع الخبراء لمساعدتي في التوصل إلى إجابات وحلول وقد تحدثت إلى الخبراء المحليين والخبراء العالميين، من الدول النامية والدول المتقدمة، ومن مختلف المدارس الفكرية، من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين. والإجابات جميعها متشابهة. فهذه مشكلة يعاني منها العالم بأجمعه، والعالم النامي الذي نشكل جزءا منه هو الذي تلقى الضربة الأشد والأقسى. وليس هناك حكومة في العالم حسب علمي تمكنت من إيجاد الحل المناسب في المدى القصير لحماية مواطنيها وتحصينهم في وجه الأسعار المرتفعة، وأي شخص يقول عكس هذا فهو غير منصف في قوله.

ولكن هناك إجراءات على الحكومات أن تقوم بها على المدى القصير لتخفيف تأثير الأسعار. وهنا في الأردن فقد بدأت الحكومة بتنفيذ حزمة من الإجراءات التي تحمي المواطن من تداعيات غلاء المعيشة، من خلال زيادة رواتب موظفي ومتقاعدي القطاع العام المدني والعسكري، وتشجيع القطاع الخاص على القيام بذلك أيضا. وتم توسيع شريحة المنتفعين من المعونة الوطنية، وزيادة نصيب الفرد الفقير من المعونة شهريا لمساعدته على تجاوز تحديات غلاء المعيشة، وتوفير الحوافز لتشجيع الشباب على العمل والإنتاج، وانطلقنا في تنفيذ برنامج إسكان كبير مدعوم، هو برنامج سكن كريم لعيش كريم، وقدمنا الدعم المالي لصناديق الإسكان العسكرية وصناديق إسكان المعلمين، ووفرنا آلاف المساكن للأسر الفقيرة، لمجابهة الكلفة المرتفعة للعقار، وقامت الحكومة بالتدخل في السوق لدفع أسعار السلع الأساسية إلى الإنخفاض إلى أقصى حد ممكن، من خلال دعم بعض السلع بصورة مباشرة، وتخفيض الرسوم والضرائب على السلع الأخرى، وبيع المواد التموينية بسعر الكلفة في المؤسستين الاستهلاكيتين العسكرية والمدنية، وزيادة فروعها في المدن والقرى والبادية، إضافة إلى فتح الأسواق الشعبية. وأنا أول من يعترف بأن هذا ما زال ليس كافيا وأننا بحاجة إلى القيام بالمزيد، وسنقوم بعمل المزيد، إن شاء الله.

أما على المدى المتوسط والمدى الطويل، فإن جميع الخبراء يتفقون بأن جزءا كبيرا من حل مشكلاتنا يتمثل في قدرتنا على تشجيع الاستثمار: المحلي منه والأجنبي. وهذا يساعد على خفض نسبة الفقر وتوفير فرص العمل للشباب الذين هم الأمل والرجاء حاضراً ومستقبلاً. ولذلك وانطلاقاً من حرصنا على توزيع مكتسبات التنمية على مناطق المملكة المختلفة، فقد أوعزنا بتأسيس العديد من المناطق التنموية الاقتصادية في كل من العقبة ومعان والمفرق واربد، بحيث تعكس النشاطات الاقتصادية التي سيتم تأسيسها في هذه المناطق المزايا التنافسية لها. إن نهج تشجيع الاستثمار الأهلي الوطني والأجنبي ليس وصفة جديدة أو سرية، فجميع الدول المتقدمة والمزدهرة لديها مواقف وتوجهات منفتحة ومشجعة تجاه الاستثمار الخاص. حتى أنه في العديد من الدول المتقدمة نجد أن الاستثمار فيها أسهل من الحصول على تأشيرة لزيارتها. وفي هذا المجال توجد اليوم فرص هائلة يمكن أن يستفيد الأردن منها. وبالرغم من أننا نعاني، مثل معظم الدول في ارجاء العالم، من مشكلة ارتفاع الأسعار، فإننا في الواقع في وضع أفضل بكثير من العديد من بلدان العالم والتي لها موارد طبيعية أكثر مما لدينا. فنحن لدينا علاقات قوية مع إخواننا في دول الخليج التي تشهد طفرة مالية نتيجة لارتفاع أسعار النفط، ومثلما كان الراحل الكبير والدي المغفور له بإذن الله، حريصاً عليها قبلي، فإنني أبذل الجهد الكبير لترسيخ علاقات أخوية حميمة مع جميع الدول العربية، وخاصة دول الخليج. والحمد لله لمسنا بشكل جدي الرغبة القوية لدى أشقائنا في الخليج، لمساعدة الأردن، وأنا فخور وشاكر لهم بهذا. وبخلاف الوضع خلال السنوات الماضية عندما كانت أسعار النفط منخفضة، فإن لدى أشقائنا في الخليج اليوم إمكانات كبيرة ونية صادقة وإرادة مخلصة لمساعدتنا. وليس هناك شك في أنهم يقدمون المساعدات الاقتصادية للموازنة العامة، وخاصة المملكة العربية السعودية الشقيقة التي وقفت إلى جانبنا خلال السنوات الماضية وقفة مشرفة. وعلاوة على ذلك فإن بإمكان الأشقاء في الخليج العربي مساعدتنا أضعافا مضاعفة من خلال الاستثمار. واريد لكل أردني أن يتفهم حجم هذه الفرصة وضخامتها، وبعض الخبراء يقولون أن سرعة تكوين الثروات في الخليج العربي ليس لها نظير في التاريخ. وإذا لم نبذل أقصى جهدنا لمحاولة الاستفادة من هذه الطفرة الاقتصادية النادرة الحدوث، فسنكون قد خسرنا الكثير وقصرنا في استغلال الفرص لتطوير بلدنا وتحديثه. ولا أحد يعلم كم ستستمر هذه الطفرة، بعضهم يقدر استمرارها لمدة 3-5 سنوات، وآخرون يرون أنها ستستمر لمدة 10 - 20 عاما. وما اريد قوله أن من الحكمة التصرف وكأن هذه الطفرة ستنتهي في الأسبوع القادم. وإذا لم نتمكن من استثمار هذه الفرصة لجذب الاستثمارات الخليجية إلى الأردن، فإن الآخرين سيقومون بذلك وحتما لن ينتظرنا أحد.

بترا: ربما عندما يتصل الأمر باستراتيجية الحكومة لتشجيع الاستثمار، فإن جزءا من الجدل يدور حول بيع الأراضي الحكومية للمستثمرين من القطاع الخاص. في رأي جلالتكم هل هذا شيء من الملائم أن تقوم به الحكومة؟.

جلالة الملك: الإجابة البسيطة هي نعم، ولكن بعد التمحيص الدقيق والدراسة الوافية. إن خلفيتي العسكرية تحتم علي بان تكون أول ردة فعل لي هي حماية الملكية العامة. ولقد استمعت بعناية شديدة لبعض الأقوال المغرقة في العاطفية ضد بيع الأراضي الحكومية. ويريدون مني أن استعمل سلطاتي لمنع الحكومة من بيع أي من أراضيها. وأنا شخصيا قرأت الكثير عن هذه القضية وتشاورت مع العديد من الخبراء، وأهم من ذلك كله، نظرت في كيفية تعامل الدول في أرجاء العالم مع هذه القضية. إن بيع أملاك الحكومة، بما في ذلك الأراضي، ممارسة شائعة في أنحاء العالم. وهناك أمثلة كثيرة حول متى يجب عرض أراضي الحكومة للبيع، وسأتحدث عنها فيما بعد.

إن الأرض هي أحد عوامل الإنتاج التي تستخدم في دول العالم كافة، وفي مختلف العصور، للتطوير والتحديث وبناء مستقبل الأجيال القادمة، وأنا اعتقد أن استثمار جزء من الأراضي الحكومية سواء بالبيع أو التأجير أو المشاركة، هو أحد الخيارات الشرعية المتاحة للحكومة، ما دامت العوائد تستثمر من اجل الصالح العام، ومن أجل مصلحة الأجيال القادمة. وكي تتمكن من القيام بهذا، يمكنها إما أن تزيد الضرائب، أو تحصل على قروض، أو تبيع بعض الأصول الحكومية. وهذا هو النهج الذي تتبعه الحكومات في أرجاء العالم في عملها، فهي تلجأ عادة إلى الجمع بين هذه الأساليب الثلاثة. وعدم السماح للأردن باستعمال مصدر أساسي للتمويل الحكومي تستعمله جميع الحكومات، يضعنا في موقف ضعيف.

وعلى سبيل المثال، فإن بيع اراضي الخزينة لتسديد الديون الخارجية، وهو ما قامت به الحكومة مؤخرا، أنقذ الأجيال الحالية والقادمة من دفع فوائد عالية على الدين وجعل تصنيف الأردن المتصل بالدين أكثر جذبا للاستثمارات العالمية. ومرة ثانية أود أن أذكر الجميع بأننا سددنا جزءا كبيرا من ديوننا هذا العام بلغ 2.4 مليار دولار، وترتب على ذلك انخفاض نسبة الدين الخارجي إلى الناتج المحلي الإجمالي من 46% إلى 29%). وهذا استعمال شرعي لبيع الأراضي، والحكومات في ارجاء العالم تقوم به طوال الوقت. وبيع أراضي الحكومة لبناء مدرسة أو مستشفى لخدمة أجيال عديدة قادمة هو بالطبع خيار شرعي آخر. وأيضا، فإن توفير الأراضي الحكومية للاستثمار الخاص لخلق الوظائف والمساعدة في تخفيض معدلات الفقر هو أيضا استعمال شرعي. وعلى سبيل المثال، السماح للقطاع الخاص ببناء الفنادق على الأراضي الحكومية في البحر الميت والعقبة وأي مكان آخر في الأردن لتشجيع السياحة وخلق الوظائف هو أمر يجب أن يكون موضع ترحيب من قبلنا. فغالبا ما تقدم الحكومات للمستثمرين الأرض بأسعار مدعومة لجذبهم إلى مناطق لا تشكل جذبا لهم دون هذا الدعم. إضافة إلى ذلك، فإن الحكومات لتأكيد رهاناتها وتشجيع المستثمرين، فإنها أحيانا تدخل في مشروعات مشتركة مع القطاع الخاص لتطوير الأراضي الحكومية. وهو أسلوب استعمل بصورة مكثفة وبنجاح في الأردن، في العبدلي والزرقاء والعقبة. وعندما تبيع الحكومة الأرض إلى مستثمرين أردنيين أو عرب أو أجانب، فالسيادة الأردنية باقية عليها، ولن تغادر هذه الأرض حدود وخارطة الوطن.

ولنتذكر أن الحكومة مثلما تبيع الأرض، يمكنها أيضا شراءها واستملاكها. وإذا ما رأت الحكومة في المستقبل ذلك مناسبا، فلديها سلطات واسعة لشراء ما ترى أنه مناسب من الأراضي للمصلحة العامة، ما دامت تقوم بدفع التعويض العادل لمالك الأرض وحسب القوانين المرعية. والحكومات في ارجاء العالم تقوم بذلك طوال الوقت. وأنا أقول هذا لأن البعض يصورون بيع الحكومة لما لديها من أصول على أنه قرار وسيناريو مشؤوم لا رجعة فيهما، بينما في الواقع أن الحكومة لديها خيارات عديدة في الحاضر وفي المستقبل، وهذه الخيارات تتبناها الحكومات في العالم يومياً.

وبالمقارنة مع الدول الأخرى، فنحن في الأردن لدينا نسبة كبيرة من الأرض مملوكة من قبل خزينة الدولة تقدر بحوالي 80% من مجموع مساحة المملكة، وهذا يعتبر نسبة عالية جداً مقارنة بالدول الأخرى. ففي دول غربية فإن هذه النسبة تصل إلى 30%. وهذا يمثل فرصة هامة في ضوء المستوى العالي للاهتمام بالأردن هذه الأيام.

وما أريد توضيحه هو أن الجدل يجب أن لا يتركز حول فيما إذا كان للحكومة الحق في بيع اراضي الدولة أو اي أصول أخرى تملكها الدولة، لأنه من الواضح أنها تملك مثل هذا الحق لبيع الأراضي، ولكن السؤال يجب أن يتركز حول كيفية استعمال عائدات مثل هذا البيع؟ وإذا كانت العملية شفافة، وإذا ما كانت فوائد البيع أكثر من فوائد الاحتفاظ بملكية الأرض، فإن هذا يوفر فرصة لشعبنا الأردني أن يستفيد منها. ومن أجل هذا، أوعزت مؤخرا بتشكيل لجنة لتدقيق وتقييم أي بيوعات محتملة للأراضي تتصل بالأراضي العسكرية. إضافة إلى ذلك، فإنني ارحب بالنقد الذي يوجهه المواطنون، وفي الواقع أشجع عليه عندما يتصل بمسألة الشفافية، وبما إذا كانت هناك أسباب موجبة لبيع بعض الأصول الحكومية. ففي أي بلد، عادة ما يكون بيع الأصول الحكومية مثار جدل. ولكن حاليا، هبط مستوى الجدل لدى بعض الجهات في الأردن إلى مستويات غير مقبولة، مع تضخيم الأمور وبث الإشاعات، وإبداء الرأي المبني على جهل تام بالأمور، إلى درجة غدا فيها النقد الناضج المبني على المعلومات، غارقا في خضم الإشاعات والجهل.

وقد أشار البعض إلى ما يحدث على أنه خارج عن المألوف ولا يحدث إلا في الأردن، بينما في الحقيقة أن جميع الحكومات تقوم بمثل هذه النشاطات. وآخرون ربطوا بينه وبين وجود مؤامرة أمريكية - صهيونية لتفكيك الدولة الأردنية، بينما ادعى فريق ثالث بوجود صفقات فساد هائلة، بينما رأى فريق رابع أن هناك مجموعة من الليبراليين تعمل على تفكيك إرث والدي الملك الحسين رحمه الله، وكثير غير ذلك. حتى أن بعض هذه الإشاعات طالتني شخصيا.

وأذكر مرة أنني تحدثت مع والدي، رحمه الله حول الإشاعات التي كانت تدور حول احد المسؤولين الحكوميين، وطلب مني أن اتوخى الحذر قبل تكرار أي شيء سمعته (لأن الفرق بين الكذب والحقيقة أمر في غاية البساطة - هو وجود البرهان). وقال رحمه الله لي إن الناس الذين يتفوهون بإدعاءات خطيرة يمكن أن تؤذي سمعة الآخرين ومسارهم الوظيفي دون أدنى برهان، هم إما جهلة أو جبناء. وقال لي إننا لن نسمح أبدا باختطاف الأردن من قبل الجبناء أو الجهال. واليوم، هذه رسالتي لإخواني وأخواتي المواطنين الأردنيين الشرفاء، وهي أن السياسات العامة لن تكون رهينة للإشاعات والجهل. فالعالم يغدو بسرعة مكانا بالغ التقنية والتعقيد. وأنا أدرك أن بعض سياسات الحكومات قد تواجه بسوء الفهم وبعدم الرضى، كما أن الحكومات أحيانا ترتكب أخطاء كبيرة، ولكن إذا كان لدى أي شخص برهان على تصرف خاطىء مقصود، فليقف وليعلن ذلك، وبابي دائماً مفتوح. وأنا أتشرف بالانتماء إلى عائلة هاشمية نأت دائما بنفسها عن الإشاعات والكلام غير المسئول الذي لا نعيره اهتمامنا.

بترا: أشعر أن الإشاعات تزايدت بصورة كبيرة في الأشهر القليلة الأخيرة.. ماذا ترون جلالتكم في ذلك؟

جلالة الملك: أشعر أن هناك سببين رئيسيين: الأول أن الارتفاع في الأسعار سبب كثيرا من عدم الرضا لدى الناس، وشكل أرضية خصبة لتصديق الأكاذيب والإشاعات، ومن هنا فإن هناك فئات ومجموعات مختلفة تستغل عدم الرضا هذا لفرض ونشر أجنداتها السياسية. فعلى سبيل المثال نرى الآن أن من يعارض الانفتاح الاقتصادي هم الأعلى صوتا في نقدهم لسياسات الحكومة الاقتصادية بالرغم من أنه ليس لديهم بديل عملي، ولا يستطيعون أن يقدموا أي بديل أو نموذج في أي مكان في العالم. إن نقد السياسات الحكومية في الأوقات الصعبة واستعمال هذا من أجل أجندة معينة لمجموعة من الناس أمر مقبول يحدث في جميع أرجاء العالم. ولكن استعمال أكاذيب مكشوفة وإشاعات صبيانية، تعيق مسيرتنا نحو التقدم، هو أمر غير منصف وغير مقبول على الإطلاق.

والسبب الثاني للزيادة في إطلاق الإشاعات هو الاهتمام الكبير للمستثمرين العرب في الاستثمار في الأردن. فعلى مدى السنين عملت هذه الحكومة والحكومات السابقة، وعملت أنا كما عمل المرحوم والدي الحسين من قبلي، بجد كبير للترويج للاردن كمقصد استثماري، وقد بدأ هذا أخيرا يثمر بصورة كبيرة. ومن الواضح أن الزيادة المفاجئة في اسعار النفط كان لها دور كبير في المساعدة على تحقيق ذلك. وهذا شيء جيد، ولكن عندما نتحدث عن استثمارات كبيرة لم نعتد عليها تاريخيا في الأردن، فإن الناس يبدأون بصورة أوتوماتيكية، بالتحدث عن الفساد. وهذا أمر طبيعي. وأيضا، فإن السرعة التي تتصرف بها الحكومة أحيانا من اجل جذب الاستثمار العربي وخاصة الخليجي قد تفاجىء المجتمع وتسبب الكثير من الكلام. ولكن من الأهمية بمكان لشعبنا الأردني أن يتفهم أن هذه الحاجة إلى السرعة ترتبط بصورة مباشرة بالحاجة إلى استثمار عوائد بيع النفط بسرعة لتعظيم عوائدها. وسواء رضينا أم أبينا، فهذا هو الأسلوب الذي يتبعه العالم في عمله. والبلدان التي تتعامل مع هذه السرعة ستفوز، وتلك التي تتأخر عن الركب وتسمح للبيروقراطية المعقدة أن تقف في طريق تحركها ستفشل. إن جميع البلدان في ارجاء العالم وفي المنطقة تتنافس لجذب الاستثمارات الخليجية، ومثلما قلت سابقا لن ينتظرنا أحد.

وهذا لا يعني أن الاستثمار يجب أن يكون على حساب الشفافية. قطعا لا. انا إنسان طموح وخاصة عندما يتصل الأمر بالأردن، وأعتقد أنه يمكننا الحصول على الاثنين معا، ويمكننا أن نحقق الاثنين الاستثمار والشفافية وبصورة جيدة إلى حد كبير. ولكن أولا كمجتمع علينا أن نتجاوز بعض العوائق التي تشوش عقلنا وتفكيرنا، وأن نتخلص منها بصورة نهائية. علينا أن نؤمن أن الاستثمار الأهلي الوطني والأجنبي أمر جيد لبلدنا وشعبنا، وكذلك التخاصية، وهناك البعض الذين يضعون مثل هذه المفاهيم الأساسية موضع التساؤل، وهذا في الواقع يبطىء مسيرتنا. فجميع الدول في العالم تطبق برامج للتخاصية، وجميع الدول لديها استراتيجيات لترويج الاستثمار، وجميع الدول تبيع أصولا مملوكة للدولة مثل الأراضي لتشجيع التنمية. فإذا ما اتهمنا الحكومة في كل مرة تقوم فيها بمثل هذه النشاطات، على أنها تمارس أعمالا سيئة وفاسدة، فإننا لن ننجح أبدا كدولة. إن الجدال يجب أن يركز على الشفافية وعلى استعمال عائدات هذه البيوعات لمصلحة شعبنا بدلاً من الاستمرار في كيل الاتهامات الباطلة، وأبدا لن تكون ثقافتنا وهويتنا الوطنية للبيع كما تردد بعض الإشاعات المغرضة.

بترا: ربما كان الحديث عن بيع المدينة الطبية واحدا من المشروعات التي اثارت اكبر قدر من الجدل وخلقت الكثير من الحراك في الدوائر الاردنية. هل تحدثنا جلالتكم بالمزيد عن هذا الامر؟

جلالة الملك: اولا اسمح لي ان اقوم بتصحيح صغير ولكنه بالغ الاهمية لسؤالك: فالمدينة الطبية لم تبع. ولأبدأ من البداية، فليس سرا ان البنية التحتية للمدينة الطبية على جميع المستويات تخضع لضغوطات هائلة وهي بحاجة الى استثمار كبير. والمكونات الرئيسية للمدينة الطبية صممت في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي من قبل شركة بريطانية وبدأ البناء في الستينيات من القرن الماضي وافتتح اول مبنى في المدينة في نهاية الستينات، ومن هنا يتبين ان المدينة بنيت عندما كان الاردن بلدا فقيرا ولم يؤخذ في الحسبان تصاعد الاحداث التي جرت اثناء بنائها والفترة التي تلت ذلك، احداث على سبيل المثال مثل حرب عام 1967، والنمو الهائل في السكان، والارتفاع في اسعار النفط وما صاحبه من رخاء في سبيعينيات القرن الماضي وحرب العراق الاولى، وغيرها من الاحداث. ونحن جميعا نعلم ما خلفته هذه الاحداث من تأثيرات. وقد تحققت استثمارات لاحقة ولكنها لم تكن كافية لتلبية الطلب المتزايد. وليس هناك من شك في أن المدينة الطبية واحدة من انجح الاستثمارات في تاريخ الاردن وقد خدمتنا بشكل جيد على مدى الاربعين عاما الماضية، ونحن بحاجة اليها لكي تخدمنا بنفس المستوى على مدى الاربعين سنة القادمة. ونظرة عابرة كل صباح إلى الأعداد الهائلة للمرضى المراجعين والمتوافدين إلى المدينة الطبية يكفي لتقدير مدى الضغوط الهائلة على هذا الصرح الطبي والحاجة الماسة لتوسعة مرافقه وتطويرها. وطالما عبر لي عن ذلك الأطباء والعاملون النشامى على مدى السنوات الماضية.

قبل أشهر، أخبرني رئيس هيئة الأركان المشتركة ومدير الخدمات الطبية الملكية بأنهما طلبا من الحكومة توفير مبلغ يتجاوز 150 مليون دينار من اجل تطوير البنية التحتية في المدينة الطبية التي هي بأمس الحاجة إليها، لكي تقوم بتطوير خدماتها لتلبية الطلب المتزايد في ايامنا هذه، وخفض الضغط الذي تتعرض له بنيتها التحتية الحالية، ونظراً لمحدودية إمكانيات الموازنة العامة في تلبية هذا الطلب لم تتمكن الحكومة من تلبية هذا الطلب وتم التباحث بالخيارات أمام الخدمات الطبية والتي كانت تتمثل في أن نؤخر تطوير وتحديث الخدمات الطبية لعدة سنوات، ولكن هذا سيكون على حساب شعبنا الأردني بصورة مؤلمة، في الوقت الذي يحتاج فيه إلى الرعاية الطبية. كما قامت الحكومة بدراسة إمكانية اقتراض المبالغ اللازمة للقيام بعمليات التحديث والتطوير وتجديد البنية التحتية للمدينة الطبية في أسرع وقت ممكن، وهذا لم يكن مجدياً سيما في ضوء هدفنا الاستراتيجي بضرورة خفض مستويات المديونية، وكان احد الخيارات دراسة جدوى بيع بعض الأراضي التابعة لمدينة الحسين الطبية في عمان واستثمار عوائد البيع لبناء مجمع طبي جديد متكامل على قطعة أرض أخرى من أراضي الحكومة.

وكان المنطق وراء هذه الفكرة كما يلي: ان القيمة الحالية للارض في منطقة المدينة الطبية عالية جدا. واذا ما بيعت الارض بهذ السعر العالي واذا ما تمكنت الحكومة من تخصيص ارض بديلة للمدينة الطبية مجانا، فعندها يمكننا استعمال عائدات بيع الارض لبناء مجمع طبي بمستوى القرن الحادي والعشرين يلبي الحاجات الطبية لشعبنا على مدى الاربعين عاما القادمة وما بعدها ان شاء الله. اضافة الى ذلك كانت الخطة ايضا استعمال العائدات لتحديث ورفع سوية جميع المستشفيات العسكرية في جميع ارجاء المملكة حتى لا يضطر المرضى الى السفر عبر مسافات بعيدة من اجل الاجراءات الروتينية، ولم تكن الفكرة مختصرة على تحسين خدماتنا الطبية بصورة هامشية، ولكن كان الهدف احداث نقلة نوعية في مستوى الخدمة التي نقدمها لأبناء وبنات شعبنا العزيز. ومن الاهمية بمكان ان نعيد القول بان الفكرة لم تكن خصخصة المدينة الطبية كما رددت بعض الاشاعات، بل كانت بيع الاملاك القديمة الى مستثمرين من القطاع الخاص لتطويرها عقاريا وان تكون المرافق الحديثة الجديدة مملوكة للحكومة تديرها كما كانت دائما الخدمات الطبية الملكية في القوات المسلحة.

والسؤال الذي يفرض نفسه لماذا لم يعلن عن هذا على الفور؟ والجواب بسيط ومنطقي وهو أن هذا الأمر كان مجرد فكرة وليس سياسة حكومية، ومن المهم بمكان أن يتفهم جميع الاردنيين ذلك، فهناك الالاف من الافكار التي تطفو هنا وهناك في دوائر الحكومة في جميع الاوقات. وقبل ان تتحول الافكار الى سياسة وتعلن للشعب عبر الإعلام لا بد من دراستها لتقرير جدواها، وكثير من الأفكار لا تجد طريقها إلى التنفيذ كما تعلمون.

وفي الواقع ان هذه الفكرة تحديدا تواجه بعدة تحديات: هل لدى الحكومة أرض مناسبة لمجمع جديد؟ ما هي كلفة المجمع الجديد؟ هل هناك مستثمرون مهتمون بمثل هذا الاقتراح؟ وإذا كان الأمر بالإيجاب ما هو المبلغ الذي سيدفعونه للمجمع القديم؟ هل سيكون ذلك المبلغ كافيا لتغطية نفقات المجمع الجديد؟ وإضافة إلى ذلك كله هل المستثمرون مستعدون لأن ينتظروا ما لا يقل عن اربع الى خمس سنوات لحين الفراغ من بناء المرفق الجديد قبل ان يتمكنوا من الاستفادة من الارض التي اشتروها؟ وهناك العديد من الاسئلة والتحديات الاخرى التي كانت بحاجة الى اجابات قبل الإعلان عن هذا الاقتراح، وقد نهضت جميع الجهات المعنية للعمل وبدأت الحكومة في البحث عن الاراضي المحتملة لمثل هذا المشروع، وعقدت ادارة المدينة الطبية عدة اجتماعات لمناقشة الفكرة، كما قامت الحكومة باستشارة المستثمرين المحتملين لمعرفة افكارهم حول الموضوع بصورة مبدئية، وكان من الضرورة والصواب اعطاء الحكومة الوقت الكافي لدراسة مثل هذه الفكرة دراسة وافية. ولكن هذا لم يحدث وقد اختمرت الفكرة في بداية شهر شباط من هذا العام، وانطلقت اشاعات بيع المدينة الطبية بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع ، وأخذت تنتشر هنا وهناك، وكما هو متوقع لم يكن لدى الحكومة المعلومات الكافية للاجابة على سيل الاسئلة المنهمرة من وسائل الإعلام ومن الجمهور. ولا شك انه كانت هناك اخطاء ارتكبت في استراتيجية الإعلام والاتصال وفي تفسير ما حدث.

واليوم وكما هو الواقع الفعلي، فان المدينة الطبية كمؤسسة واسم لن تباع أبدا لأحد ولكن هناك احتمال لبيع بعض ممتلكاتها، فالحكومة بحاجة إلى وقت أطول لدراسة الامر بعمق أكبر. والاشاعات بأنها بيعت فعلا ليست صحيحة، والاشاعات بان البيع جزء من مؤامرة لتفكيك الدولة الاردنية ليس الا مجرد هراء والاشاعات حول الفساد الحكومي ليست اكثر من خيال وافتراء. وقبل ان تسألني أقول لك لا لم يتم بيع الجامعة الاردنية كما لم يتم بيع المدينة الرياضية وليس لدى أي أحد النية لبيعهما.

بترا: اشكر جلالتكم على اجابتكم المباشرة والواضحة ولكن لا بد لي من التوقف قليلا عند هذه القضية، فاذا ما تجاوزنا الاشاعات هناك البعض الذين يرون أن المدينة الطبية جزء من تاريخنا وحتى ممتلكاتها يجب ان لا تباع، وان الارتباط العاطفي بها وما نحمله تجاهها من ذكريات قوية جدا، مارأيكم في هذا التبرير؟

جلالة الملك: أنا أتفهم القيمة المعنوية الغالية لهذه المؤسسة الوطنية لدى الكثير منا. وبالنسبة لي شخصيا فان مدينة الحسين الطبية هي المكان الذي شاهدت فيه والدي رحمه الله حيا لآخر مرة في حياتي. وهي المكان الذي ولد فيه جميع أبنائي حسين وإيمان وسلمى وهاشم، وهي المكان الذي عولجت فيه طوال حياتي. وانا اعرف اطباء قضوا جل حياتهم العملية وهم يعملون في هذه المباني. الارتباط العاطفي فعلا قوي ولكن علينا ان نوازن بين هذا وبين ما هو أكثر بالنسبة لملايين المرضى الأردنيين الذين يتلقون العلاج في المدينة الطبية والذين سيستفيدون من الخدمات الطبية التي تقدمها في المستقبل. واذا ما توافرت لنا الفرصة لتحسين الخدمات الطبية التي نقدمها لشعبنا بصورة جذرية، فهل نفوت هذه الفرصة ؟ علينا ان نتذكر ان التاريخ ليس مجرد شيء نرثه فهو ايضا شيء نصنعه وأنا أتطلع إلى تاريخ المدينة الطبية بفخر واعتزاز كبيرين، وهي من أهم المؤسسات التي نفتخر بها. والسؤال هو اذا لم تقم الحكومة بالاستثمارات الصحيحة اليوم في المدينة الطبية فكيف ستنظر الاجيال القادمة الى هذا الامر؟ وهذا هو السؤال الذي يتوجب على جميع الاردنيين التفكير به.

بترا: هناك مقولة اخرى مثيرة للجدل حول بيع الميناء العام في العقبة هل يمكن لجلالتكم القاء المزيد من الضوء على هذا الموضوع؟

جلالة الملك: كما اعلن رسميا بخصوص الميناء العام فقد جرى بيع ارض الميناء من قبل الحكومة مقابل 500 مليون دولار مقدماً وقبل استلام الأرض، والذي سيستغرق 5 سنوات من الآن، بالإضافة إلى 3% من الناتج الإجمالي لإيرادات المشروع ستعود لخزينة المملكة. وقد استعملت العائدات المتحققة لشراء ديون خارجية للأردن وفرت على الخزينة ما معدله "240" مليون دولار سنويا، يمكن استخدامها لمشاريع حكومية تساهم في تحسين الخدمات التعليمية والصحية ومحاربة الفقر وتوفير فرص العمل على مدى الخمسة عشر سنة القادمة.

لقد احتاج الامر الى مفاوضات طويلة شاقة من قبل الحكومة لاقناع دائنينا الدوليين للسماح لنا بشراء ديوننا، وكان التفاوض على نسبة الخصم اشد واصعب. وقد شاركت شخصيا في اقناع بعض القادة في العالم لدعم طلبنا، وقد تم هذا كله بشفافية كاملة ونشر في الصحف. وبعد أن تم التوصل الى اتفاقية بتاريخ 17/10/2007 كان من الضروري تنفيذها قبل نهاية آذار من هذا العام 2008.

كانت منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة على مدى سنوات تحاول نقل الميناء العام وإبعاده بعيدا عن الشواطىء السياحية والمدينة السكنية، وهذا يأتي ضمن المخطط الشمولي لمنطقة العقبة الاقتصادية الخاصة، وكان يفترض لعائدات البيع أن تخصص لبناء ميناء جديد. ولم تتمكن منطقة العقبة الاقتصادية الخاصة من الحصول على سعر مناسب للميناء الحالي يمكنها من بناء ميناء جديد. وبعد أن عرضت بعض المواقع الاستثمارية على إخوتنا في الخليج العربي للاستثمار فيها تم الاتفاق على الاستثمار في هذا الميناء، لتغطية المبلغ الذي تحتاجه الحكومة لسداد الدين. و كان الهدف إقناعهم بان لا يتعاملوا مع هذا الموضوع من منطلق تجاري واستثماري بحت بل كوسيلة لمساعدة الأردن في هذه الأوقات البالغة الصعوبة، وأن يعتبروه كاستثمار ومساعدة في آن معا. وكعادتهم هب إخواننا في الإمارات العربية المتحدة لمساعدتنا كما عودونا دائماً، ونحن ممتنون لهم كثيرا لما فعلوه.

لقد قام بعض الصحفيين بصورة اوتوماتيكية ودون استقصاء الامر بنشر الاشاعات عن صفقة فيها فساد هائل، ويبدو أن بعض صحفيينا نسوا نبل مهنة الصحافة، فهي تعني أولا وقبل كل شيء القراءة والبحث والتقصي سعيا وراء الحقيقة لا الجلوس خلف المكتب واختراع القصص السخيفة. فلو أنهم قاموا بواجبهم لعرفوا الحقيقة وأدركوا أن ارض الميناء كانت ستباع في السابق بأسعار اقل كثيراً من السعر الذي بيعت به. ولو أن هؤلاء الصحفيين قاموا فعلا بواجبهم في البحث والتقصي لتبينوا أن مصر الشقيقة المقابلة لنا على البحر، تعطي الاراضي الجيدة على شاطىء البحر الاحمر مجانا لجذب الاستثمارات الاجنبية، وقد نجحت استراتيجيتهم بجذب الكثير من الأردنيين للذهاب إلى شرم الشيخ بدلا من الذهاب الى العقبة، والان فان دولا عربية أخرى مثل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية توفر الارض باسعار مدعومة لتشجيع الاستثمار.

بترا: هل توافق مع اولئك الذين يؤمنون بان المستثمرين الاردنيين يجب ان تكون لهم الافضلية على نظرائهم الاجانب عندما يتصل الامر ببيع الاصول التي تملكها الحكومة؟

جلالة الملك: بشكل عام انا لا اوافق على هذه المقولة، فانا لدي مشكلة مع كلمة "أفضلية" لأنها يمكن أن توحي بالانحياز إلى رجال أعمال أردنيين على حساب المصلحة العامة ومصلحة الشعب. لماذا يتوجب على الحكومة أن تقوم بذلك وخاصة أن للقطاع الخاص الاردني كل الحق لاستغلال هذه الأفضلية ومن ثم يبيع للمستثمرين الأجانب، وهذا يحدث كثيرا، لماذا يكون للقطاع الخاص الاردني حرية اكبر في هذا المقام من الحكومة التي تمثل الشعب. من الواضح ان هذا لا يعني أننا يجب أن نقف ضد المستثمرين الاردنيين، وكذلك وفي عالمنا الحالي، فان المستثمرين الاجانب اكثر دراية ولديهم الكثير من الخيارات في ارجاء العالم ليختاروا منها، وهم ينأون بأنفسهم عن البلدان التي يشعرون أنها متحيزة ضدهم، ونحن بحاجة إلى أن نعمل في مستوى يتلاءم مع مصالح الجميع وان نحافظ على مصلحة المواطنين، لا مصلحة مجموعة ضيقة من اصحاب المصالح الخاصة.

إن الاستثمار الأجنبي هام جدا لاي بلد في العالم لان أي بلد مهما كبر واغتنى لن يكون في كبر وغنى بقية العالم مجتمعا، وهذا ينسحب بصورة خاصة على دول صغيرة مثل الاردن، فالناتج المحلي الاجمالي لدينا يبلغ نحو 16 بليون دولار، و الناتج المحلي الاجمالي لدول الخليج يبلغ حوالي 1.8 تريليون دولار، بينما الناتج المحلي الاجمالي للعالم ككل يبلغ حوالي 65 تريليون دولار، والامر لا يحتاج الى عبقرية خاصة لكي نتبين أنه اذا ما اعتمدنا على القطاع الخاص الاردني فقط، فسوف نفوت فرصا كبيرة متاحة لشعبنا. نحن بحاجة الى الاستثمار المحلي والأجنبي. إذا ما نظرنا الى الدول الغربية المتقدمة والغنية نتبين أنه حتى اليوم ما زالوا اكبر مقصد للاستثمارات الأجنبية ولهذا حققوا هذا الازدهار الكبير الذي يحظون به والان فان دولا مثل الصين والهند بدأت تنافسهم على جذب الاستثمارات الخاصة.

في هذا اليوم وفي هذا العصر من المحزن حقا أن نرى البعض في الأردن يروج بأن هذا ليس خيارا لنا وإنه لا يمكننا أن نتعلم من الغرب مثلما تعلم الغرب منا قبل قرون. واننا بقيامنا بهذا فاننا نبيع انفسنا وثقافتنا للاخرين. واصواتهم عالية حول ذلك، دون أن يكون لديهم أي بدائل ذات مصداقية، وكل ما يحبون أن يرونه هو أن يقيدوا يدي الحكومة وأن يجلسوا في زاوية ويشكوا سوء الأحوال.

وما أجده أيضا محزناً إلى درجة كبيرة هو ان بعض المنظرين مستعدون لإعطاء محاضرات مطولة حول العمل العربي المشترك وعن الحاجة للمزيد من التنسيق بين الدول العربية والحاجة الملحة لسوق عربي مشترك، ولمقاطعة البضائع الغربية، وعندما قدم المستثمرون العرب وأخيرا إلى الأردن، يعاملوهم وكأنهم جاءوا من المريخ لغزو بلدنا.

لقد تدربت كعسكري على أن تتوافق اقوالي مع أفعالي، فانا هاشمي وقومي وعربي، وأنا سعيد إلى درجة كبيرة وفخور بأن أشقاءنا من الخليج لديهم اليوم الامكانات للانتقال ببلادهم وببلدنا من مرحلة تنموية إلى أخرى، ونحن نرحب بهم في الأردن، واليوم أكثر من أي وقت مضى. ونحن بحاجة إلى دعمهم.

بترا: هناك موضوع ساخن آخر يتناقله الناس في ارجاء المدينة، وهو موضوع مهرجان الاردن وأن شركة تسمى "ببليسيز" تقوم بتنظيمه، والبعض يقول أن تلك الشركة لديها علاقات وثيقة مع اسرائيل، وقد نفت وزيرة السياحة والاثار ذلك، والكثيرون ما يزالون ينادون بمقاطعة المهرجان، ومن الاهمية بمكان أن نسمع من جلالتكم مباشرة لنعرف ماهية الحقيقة؟

جلالة الملك: لقد بحثت هذا الموضوع في الفترة الأخيرة مع رئيس الوزراء. وعلمت إن شركة ببليسيز ليست هي الشركة التي تنظم مهرجان الأردن، ومن يقوم بالتنظيم شركة فرنسية تدعى فيزيتور دوسوار.

واليوم يفكر الفنانون العرب في إلغاء حفلاتهم والسياح العرب الذين كانوا يخططون لزيارة الأردن يقومون بإلغاء حجوزاتهم، والحكومة الآن تضيع وقتها ومواردها الثمينين في محاولة لحصر الأضرار، وكل هذا لأن بعض من يسمون أنفسهم صحفيين مهملون وغير كفؤين للقيام بواجبهم الأساسي قاموا بالافتراء وهو أمر معيب. إن هذا يشكل اكبر مثال في كيف يتسبب الإنسان في إيذاء نفسه، وفي كيفية التخلي عن المسؤولية والتصرف بدون مسؤولية، وفي كيفية التسبب بضرر كبير لبلده وشعبه، وفي كيفية إيقاف مسيرة التنمية. وفي الواقع وللأسف الشديد يبدوا لي أن أسوأ أعداءنا يقيمون بين ظهرانينا، فهل سيكون مستقبل الأردن رهينة للإشاعات والثرثرة، وهل ستكون المعلومة الكاذبة مرجعية صحافتنا الأردنية، وهل سنصمت حتى تصبح الحقيقة ضحية الصحافة غير المسؤولة.

لنفترض للحظة واحدة، أن ببلسيز فعلا تساعد في تنظيم الحدث، وفي واقع الأمر فإنني لا أعرف شركة عالمية كبيرة لا تتعامل مع إسرائيل، وإذا كانت جميع هذه الشركات محرم علينا التعامل، فلا شك اننا سنواجه مشكلات كبيرة. فعلى سبيل المثال، فإن شركة "إنتل" التي تستعمل الرقائق التي تصنعها في 80% من أجهزة الكمبيوتر في أرجاء العالم، لديها استثمارات ببلايين الدولارات في إسرائيل، واقرب منافس لها وهو شركة "إيه أم دي" لديها أيضا استثمارات كبيرة جدا في إسرائيل، هل هذا يعني أن علينا أن نلقي بأجهزة الكمبيوتر بعيدا ونتوقف عن استعمالها؟ هذا هراء، وإذا ما اتبعنا هذا النمط من التفكير فسنكون قد أدينا أكبر خدمة لإسرائيل، وكل ما عليها هو أن تستعمل أفضل تكنولوجيا وأفضل المواهب في العالم كي تصبح أوتوماتيكيا محرمة علينا.

بترا: ولكن البعض يقولون إننا لا نحتاج إلى شركة عالمية لمساعدتنا في تنظيم مهرجان الأردن، وكان علينا اللجوء إلى شركة اردنية؟

جلالة الملك: ربما كانت هناك شركة اردنية يمكنها القيام بالمهمة، أنا لا أعرف التفاصيل، إلا أنني على مدى حياتي تبينت شيئا وهو أن أذكى الناس الذين القاهم هم أولئك الذين يعترفون بسهولة أنهم لا يعرفون شيئا ما، ومن ثم يعملون بجد للحصول على المعرفة، أما الذين يقعون في المشاكل باستمرار فهم أولئك الذين يدعون أنهم يعرفون كل شيء، أنا أؤمن حقا أن مواردنا البشرية هي أعظم ما نملك، وبنفس الدرجة أؤمن أكثر من أي وقت مضى في التاريخ، بأن نجاح المؤسسات والشركات والدول يقوم على قدرتها على جذب المواهب وإطلاق طاقاتها مهما كان المصدر الذي تأتي منه، إن انتقال المعرفة أمر حيوي أساسي في هذا البلد في هذا اليوم والعصر، ونحمد الله على أن ثروتنا من المواهب المحلية توفر أرضا خصبة كي تتجذر هذه المعرفة وتنمو، مما يعزز في نهاية المطاف من قدرتنا على المنافسة لا على المستوى الإقليمي فحسب ولكن على المستوى العالمي أيضا. إننا لا ندعي في الأردن أننا نعرف كيف نقوم بكل شيء على أحسن وجه، ومثلنا مثل جميع البلدان في أنحاء العالم، نرى من المفيد أحيانا أن نلجأ إلى الخبراء العالميين للاستفادة منهم ومن خبراتهم.

بترا: لقد تساءل البعض عن المنطق في الغاء مهرجان جرش واستبداله بمهرجان الأردن؟

جلالة الملك: مرة ثانية عليك أن تسأل وزير السياحة والآثار ووزير الثقافة حول التفاصيل، وبقدر ما أعلم فإن مهرجان جرش كان يتراجع على مدى السنين، مع ان الحكومة لم تتردد في تقديم الدعم له، وأنا شخصيا قدمت دعما ماليا للمهرجان، على مدى السنوات القليلة الماضية، وهناك أسباب عديدة لتراجع هذا المهرجان، بعضها إداري وبعضها تنافسي، وبخلاف ما جرى في الماضي، أصبح على مهرجان جرش اليوم، أن يتنافس مع مهرجانات ذات سوية عالية في العالم العربي، وبعد سنوات من التراجع البطيء كان على الحكومة في العام الماضي، أن تعطي إدارة مهرجان جرش، إلى شركة محلية، في محاولة لبث الروح في المهرجان، وكان الأمر اخفاقا ذريعا إلى درجة أن العديد من الفنانين المشاركين في المهرجان رفضوا الالتزام في المشاركة فيه في السنة التالية، وواضح أن الوقت قد حان لإتخاذ إجراءات جذرية، وكان هناك توافق بين عدد كبير من المعنيين ومن أبرزهم أعضاء لجنة مهرجان جرش، أن الوقت قد حان للتطوير ومن أجل حرصها على المصلحة العامة، أرسلت جلالة الملكة نور نفسها، رسالة لي حول موضوع الحاجة إلى التطوير، وعندها خرجت الحكومة بمفهوم إقامة حدث يجذب السياح سواء أكانوا زوارا لعمان أو جرش، على أمل أن ينتشر إذا ما قيض له النجاح إلى أجزاء أخرى من البلاد، ومن أجل التقليل من مخاوف الفنانين بعد ما حدث من مشاكل وأداء سيء في العام الماضي، قاموا بالتعاقد مع شركة أجنبية لها خبرة في تنظيم الأحداث والمهرجانات، وهي فيزيتور دوسوار.

بترا: هناك بعض من يعلنون ولاءهم العميق لجلالتكم، ولكنهم يدعون أنك محاط بمجموعة من الليبراليين الذين يقومون على اختطاف البلد ووضع السياسة العامة، ويحاولون تفكيك إرث الملك الحسين؟

جلالة الملك: لنبتعد عن التلاعب بالكلام، واسمح لي أن أكون واضحا في فهم هذا الهراء، فالسؤال يعني إما أن أكون جزءا من هذه المؤامرة، أو أن أكون بعيدا منعزلا ولا أدري ما الذي يجري في بلدي. وكلا هذين الإفتراضين مسيء، والحقيقة هي أن هذين السيناريوهين هما ابعد ما يكونان عن الحقيقة.

إنني اسمع باستمرار عبارة الليبراليين تتردد ويتم تناقلها هذه الأيام. وأنا شخصيا اعتقد أن بعض الناس يستعملون كلمات كبيرة لا يفهمون فعلا معناها، وباختصار فإن الليبرالية هي مدرسة فكرية أكاديمية، تؤمن بأن كل شيء يجب أن يترك لقوى السوق، وأن الحكومة يجب أن لا تتدخل بقوى السوق هذه.

والواقع أن من حولي يعملون بجد واجتهاد واقتدار في مبادرات مثل مبادرة "سكن كريم لعيش كريم"، التي هي عبارة عن سكن مدعوم، أو يحاولون إيجاد مساعدات للاستمرار في دعم بعض السلع أو لتجديد القرى والمدارس ولإنشاء شبكة أمان اجتماعي تحمي الفقير، وكل ذلك في تناقض مباشر مع النظرية الليبرالية الراديكالية. وهذا لا يعني أننا ضد الخصخصة أو تقوية القطاع الخاص، أو زيادة الاستثمار في البلد، لأنني لست مرتبطا بشكل حصري بأي مبدأ أو نظرية بعينها، لا الليبرالية ولا المحافظة، لا اليسار ولا اليمين، لا الحرس القديم ولا الحرس الجديد، إن عقيدتي ومبدأي الوحيدين هما أن أراعي المصلحة الأفضل للأردن واحافظ عليها دائماً وابدأ.

ومن المضحك أن أولئك الناس الذين ينشرون هذه النظريات المفلسة، قد تجذرت فيهم الشكوك حول كل شيء نجح في هذا العالم الحديث، ولا يمكنهم اقتراح أي طرق بديلة للنجاح، ولأنهم ليس لديهم رؤية ذات مصداقية للمستقبل، فإنهم ينغمسون في السلبية، ويحاولون تجميل الأداء غير المتميز بمسميات وهمية يبتدعونها. أنا لدي رؤية للمستقبل، فأنا أريد للأردن أن يكون البلد الأكثر تقدما في العالم، وأريد له أن يكون منفتحا على العالم بغير خوف أو وجل، فلدينا من العراقة والأصالة والنسيج الوطني القوي ما يجعلنا نواجه بثقة واقتدار كل التحديات، فنحن ورثة الثورة العربية الكبرى، وطن الأصالة والتراث العربي الإسلامي الهاشمي، والبلد الغني بعشائره التي كانت وستظل بعون الله الركيزة والعامود والسند الأساسي لمتانته وصموده واستقراره ونهضته، ونحن بلد سيادة القانون وتكافؤ الفرص والعدل والمساواة، بلد المؤسسات الذي يحميه الدستور وقواتنا المسلحة الباسلة وأجهزتنا الأمنية التي نفاخر بها العالم.

لقد كان المغفور له بإذن الله والدي الحسين، قوة كبرى للتغيير وركز دائما على المستقبل، ولم يشعر ابدا بالخوف من التطوير وعلى العكس من ذلك كان يتبنى التغيير وكان على الدوام يدعو بقوة إلى اتخاذ إجراءات تعزز وتنوع اقتصادنا. وكان يحاول دائما ترويج الأردن كمقصد استثماري، ولسوء الحظ فإن الفرصة التي تتيحها الطفرة الحالية لنا اليوم، لم تكن متوافرة له في حينه، حتما ليس بهذه الضخامة التي نراها اليوم.

وفي الواقع فإن العديد من أولئك الذين حولي نشأوا وترعرعوا في ظل والدي، رحمه الله، وخلفياتهم واضحة ومعروفة للجميع. فنادر الذهبي رئيس الوزراء الحالي، خدم قبل عهدي بصورة مميزة في سلاح الجو ومديراً للخطوط الجوية الملكية الأردنية، وأنا فخور جدا بانجازاته وسعيد بادائه الحالي، ورئيس الديوان الملكي باسم عوض الله تلقى تعليمه الجامعي بمنحة دراسية من المرحوم والدي، وقد خدم بتميز مرموق في اربعة من الحكومات التي شكلت في عهد والدي رحمه الله، ومنحه وسامين لعطائه وتميزه وخدمته، ولا احد يستطيع أن يشكك في خلفية رجال الحسين من العسكريين في قواتنا المسلحة من رئيس هيئة الاركان المشتركة الى الجندي العادي في الميدان، والأجهزة الامنية ومنها دائرة المخابرات العامة التي يرأسها محمد الذهبي "وهو أحد الذين خدموا هذا الجهاز على مدى سنوات" خَدَمَت بلدنا وحمته بوسائل وطرق سنظل دائما عاجزين عن ايفائها ما تستحق من تقدير، ومن رئيس مجلس الاعيان الى رئيس مجلس النواب فهم جميعا رجال والدي رحمه الله وأنا فخور بهم وبانجازاتهم.

وفيما يتصل بارث الملك الحسين، رحمه الله فاني لن اقبل اي مزايدات مهما كان نوعها فهو والدي واشعر انه جزء مني وان حماية ارثه والحفاظ عليه يعتبران بالنسبة لي امران طبيعيان كالتنفس، وأشعر براحة كبيرة عندما أحيي ذكراه بكل وسيلة ممكنة، سواء من خلال تعداد الدروس التي تعلمتها منه أو من خلال التجارب التي خضتها معه او بكل بساطة بان احتذي حذوه، وليس هناك ما هو اجمل على سمعي من ذكر الملك الحسين، وهذا هو السبب بان العديد من المباني العامة والمواقع والمؤسسات سميت باسمه في الفترة الاخيرة، من مسجد الحسين إلى جامعة الحسين الى حديقة الملك الحسين، الى مطار الملك ا&